أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
107
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أي تمرون بالديار ولكنه غير مقيس . والثالث : أن يكون « غشاوة » اسما وضع موضع المصدر الملاقى لختم في المعنى ، لأن الختم والتغشية يشتركان في معنى الستر فكأنه قيل : « وختم تغشية » على سبيل التأكيد فهو من باب « قعدت جلوسا » وتكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مغشاة . وقال الفارسي : « قراءة الرفع أولى لأن النصب : إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعرض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به ، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر ، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه « ختم » تقديره : وجعل على أبصارهم غشاوة فيجيء الكلام من باب : 150 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا « 1 » وقوله : 151 - علفتها تبنا وماء باردا * حتّى شتت همّالة عيناها « 2 » ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة ولا اختيار » واستشكل بعضهم هذه العبارة وقال : « لا أدري ما معنى قوله : « لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر » وكيف تحمل « غشاوة » المنصوب على « ختم » الذي هو فعل وهذا ما لا حمل فيه ؟ . ثم قال : اللهم إلا أن يكون أراد أن قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ دعاء عليهم لا خبر ، ويكون غشاوة في معنى المصدر المدعو به عليهم القائم مقام الفعل ، فكأنه قيل : وغشى اللّه على أبصارهم ، فيكون إذ ذاك معطوفا على خَتَمَ عطف المصدر النائب مناب فعله في الدعاء نحو : « رحم اللّه زيدا وسقيا له » فتكون إذ ذاك قد حلت بين غِشاوَةٌ المعطوف وبين خَتَمَ المعطوف عليه بالجار والمجرور » انتهى . وهو تأويل حسن إلا أن فيه مناقشة لفظية لأن الفارسي ما ادعى الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إنما ادعى الفصل بين حرف العطف والمعطوف به ، أي بالحرف فتحرير التأويل أن يقال : فيكون قد حلت بين غشاوة وبين حرف العطف بالجار والمجرور . وقرئ : « غشاوة » بفتح العين « 3 » وضمها و « عشاوة » « 4 » بالمهملة ، وأصوب القراءات المشهورة لأن الأشياء
--> - ( 2 / 107 ) ، رصف المباني ( 247 ) ، الخزانة ( 9 / 118 ) ، الكامل ( 1 / 34 ) ، المقرب ( 1 / 115 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 538 ) ، المغني ( 1 / 102 ) . قوله : ( تعوجوا ) يقال : عاج فلان بالمكان إذا أقام به . ( 1 ) البيت لعبد اللّه بن الزبعرى . انظر الخصائص ( 2 / 431 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 321 ) ، الإنصاف ( 2 / 612 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 50 ) ، الكامل ( 1 / 334 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 68 ) ، تأويل المشكل ( 214 ) ، شرح القصائد العشر ( 247 ) ، المقتضب 2 / 50 ، الطبري ( 11 / 577 ) . ( 2 ) البيت لذي الرمة وليس في ديوانه . انظر الخصائص ( 2 / 321 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 8 ) ، الهمع ( 2 / 130 ) ، الإنصاف ( 2 / 613 ) ، الدرر ( 2 / 169 ) ، العيني ( 3 / 101 ) ، معاني الفراء ( 1 / 14 ، 3 / 124 ) ، تأويل المشكل ( 213 ) ، شرح المفضليات ( 1 / 126 ) ، ابن الشجري ( 2 / 321 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 298 ) ، المغني ( 2 / 632 ) ، اللسان ( قلد ) . المعنى : قد أشبعت الدابة تبنا وأرويتها ماء حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع على عادة الدواب . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 49 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 49 ) .